خليل الصفدي
14
نكت الهميان في نكت العميان
جارية في درعها الفضفاض * أبيض من أخت بنى بياض قالوا فيه : أن « أبيض » هنا ليس للتفضيل ، بل صفة لموصوف محذوف تقديره : في درعها جسم أبيض ، أو شخص أبيض ، و « من » في محل الرفع صفة لأبيض ، على أن الكوفيين جوزوا : ما أسوده ، وما أبيضه في هذين اللونين خاصة . قالوا : لأنهما أصل الألوان ، وهو ضعيف ؛ لأن غالب أفعال الألوان لا تأتى إلا على افعل وافعال ، بتشديد اللام فيهما ، نحو احمر واحمار ، وهما زائدان على الثلاثي ، ولا تبنى أفعل التعجب وأفعل التفضيل إلا من الثلاثي المجرد من الزيادة ؛ لأن أفعل في مثل : ما أحسن زيدا ، الهمزة فيه زائدة ، ودخلت عليه لتنقل اللازم إلى التعدي ، فيصير الفاعل مفعولا ، إذ أصله : حسن زيد ، فلما دخلت الهمزة على الفعل صار الكلام تقديره شيء : حسّن زيدا . وشذ قولهم : ما أعطاه للدينار والدرهم ! فتعجبوا بالرباعى ، وأجازه سيبويه ، وكذا : ما أولاه للمعروف ، وما أفقره ! حمله على أنه ثلاثي ، والصحيح أنه رباعي ، فلذلك حكم بشذوذه . مسألة : وإنما قالوا في السكران : ما أشد سكره ! ولم يقولوا : ما أسكره ! وهو ثلاثي ؛ لأن فعله سكر ، وليس بخلق ، ولا لون ، ولا عيب ظاهر ، فرقا بينه وبين قولهم : ما أسكره ، للنهر . وكذلك لم يقولوا : ما أقعده في المكان ، فرقا بينه وبين ما أقعده في النسب . ولا يتعجب من الخلق أيضا ، والمراد بالخلق الأعضاء كاليد ، والوجه ، والرجل ، فلا تقل : ما أيداه ! وما أرجله ! وما أوجهه ! فإن أردت ما أوجهه من الوجاهة ، وما أرجله من الشؤم على غيره جاز . ويتعجّب من العيوب الباطنة كالحمق والرعونة ، فيقال : ما أحمقه ! وما أرعنه ! ومنه ما تقدم في قوله تعالى : فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [ الإسراء : 72 ] ؛ لأنه من عمى البصيرة . تقول : رجل أعمى ، وأعميان ، وأعمون ، بفتح الميم في ذلك كله ، وأعمون جمع سلامة ، وأجاز الكوفيون ضم الميم في الجميع . وتقول في جمع التكسير : عميان ، تقول : عمى يعمى عمى فهو عم من عمى القلب ، وعمى يعمى فهو أعمى ، من عمى البصر ، وجمع عم عمون . قال اللّه تعالى : بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ [ النمل : 66 ] ، وجمع أعمى عميان وعمى ، قال اللّه تعالى : لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً [ الفرقان : 73 ] ، وقال